السيد الخميني

14

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )

وفي إيران نجحت الثورة الاسلامية ، مستلهمة أساليب النضال من الثقافة الاسلامية للشعب الإيراني التي تتباين تماماً عما اعتادته الثورة والحركات السياسية الرائجة ، في اسقاط نظام ديكتاتوري مستبد يحظي بدعم الغرب بقوة ، بل وُجد أساساً للقيام بدور الشرطي المدافع عن المصالح الأميركية والاوروبية ، وتحقيق تطلعات ( الناتو ) في الخليج الفارسي والمنطقة المحاذية للاتحاد السوفيتي السابق . . وأهم من كل ذلك أنها نجحت في اجتثاث جذور نظام الملكية الفاسد ، وارساء دعائم نظام جمهوري يمتاز بمبادئه وأصوله وهيكليته الدينية والاسلامية . لقد سمت الثورة الاسلامية بمنزلة إيران ومكانتها السياسية ، التي كانت في يوم ليس ببعيد بمستوى ولاية شبه مستعمرة تقع تحت الهيمنة الأميركية على مختلف الأصعدة ، لتحتل موقعها كقوة ثقافية وسياسية مقتدرة ، إذ باتت مواقفها وسياساتها وعلاقاتها الآن حديث الساعة في المحافل الدولية واوساط الساسة ورجال الحكم في مختلف انحاء العالم . فالجمهورية الاسلامية اليوم تحظي بمكانة مرموقة في الموازنات السياسية على الصعيد الدولي بدرجة تدفع أميركا والقوى الكبرى في العالم إلى اتخاذ موقف رسمي حيال أدنى موقف أوحدث إيراني داخلي . وتفيد الاخبار التي تبثها وسائل الاعلام العالمية المرموقة يومياً بأن جانباً عظيماً من جهود واجتماعات البيت الأبيض والدول الأوروبية والآسيوية يكرس للبحث في كيفية العلاقة مع إيران وسبل مواجهة تداعيات الثورة الاسلامية على الساحة الدولية . وبعيداً عن الموقع الذي تحتله إيران اليوم على صعيد الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر ، والذي هو - بطبيعة الحال - وليد الثورة الاسلامية والنظام المنبثق عنها دون أدنى شك ، كانت للثورة الاسلامية انعكاساتها الباهرة فيما وراء الحدود الإيرانية بنحولايمكن انكاره ، وأن آثارها وتداعياتها في تنام مستمر : فمفردة ( العالم الاسلامي ) كانت إلى وقت قريب تطلق على الشعوب المشتتة التي كانت معتقداتها الدينية لا تتجاوز الاهتمامات الفردية ، بل حتى هذا كان في طريقه إلى التدني والزوال ، فالغالبية من المسلمين كانوا قد انبهروا ، وفي مختلف ميادين الحياة الاجتماعية بدءً بالثقافة والسياسة والنظم القانونية والحقوقية ، وانتهاء بعاداتهم وتقاليدهم وعلاقاتهم الاجتماعية ونظمهم التعليمية ، قد انبهروا واستسلموا للثقافات الغربية والشرقية المستوردة بنحوتضاءل بشدة الشعور بالهوية المستقلة والاسلامية إزاء نفوذ الافكار والتوجهات السياسية غير الدينية ، واتسم تدني الانتماء الذاتي والاضمحلال الثقافي بوتيرة متسارعة . لقد تسارعت وتيرة الهجوم والانحلال والاضمحلال بنحولم تتمكن حتى أقوى الحركات القومية من الثبات والاستمرار سوى أيام معدودة ، نظراً لافتقارها للقاعدة الفكرية والعقيدية المناسبة التي تؤهلها للاستحواذ على دعم متواصل من الجماهير المسلمة والشعوب الاسلامية ، ومن ثم ايجاد تحول في العلاقات وارساء بُنى ثقافية وسياسية جديدة ومطمئنة تنسجم مع الثقافة الدينية . ولعلّ خير نموذج على هذه المساعي غير الموفقة الفشل والاحباط اللذان منيت بهما الحركات القومية في العالم العربي وتركيا ، وكذلك هزيمة القوميين المبكرة في إيران . فالقومية الشاهنشاهية واهتمام الشاه المفرط والمثير للسخرية بالتاريخ الإيراني القديم ، ليس فقط لم ينظر اليه على أنه مشروع للتحصن والمقاومة مقابل نفوذ الثقافة الغربية ، بل تم